أحمد ياسوف

286

دراسات فنيه في القرآن الكريم

معبّر عن الوحدة في التنوع ، فقد تكوّن من طول وعرض مختلفين متكررين ، وخير مظهر لهذا الانسجام شكل الإنسان الذي خلق في أحسن تقويم « 1 » . وفائدة هذا المعيار الجمالي أنه معمّم ، ولا يبعث حكمه الشكّ في النفس ، لأنه موضوعي يحتكم إلى التجربة الحسية ، وهذا ما يدعى في التراث العربي بالتلاؤم ، إذ يختص ببنية المفردة فقط ، على خلاف من المعاظلة التي تعني تنافر الكلمات بعضها مع بعض ، فالانسجام في المفردة والمعاظلة في التركيب . وهذا المصطلح على خلاف أيضا من مصطلح الانسجام الذي يعني مجيء كلمات على أوزان معروفة ، يقترب وزنها من أوزان بحور الشعر ، وقد استشهدوا على ذلك بقوله عز وجل : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [ يوسف : 86 ] ، وكذلك قوله تعالى : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الحجر : 49 ] ، وقوله : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] ، وقوله : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [ الأنعام : 151 ] . فواضح أن الآية الأولى قريبة من بحر الرّمل ، وأن الثانية قريبة من البحر الكامل ، وتمثل الآية الثالثة تفعيلات البحر الطويل : فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن ، وهذه التسمية موجودة مثلا في كتاب بديع القرآن ، وكتاب الفوائد « 2 » . ويمكن أن نذكر آيات أخرى لهذه الظاهرة الموسيقية مثل : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [ الأنعام : 151 ] ، وهي قريبة من البحر

--> ( 1 ) انظر : النقد الجمالي ، روز غريب ، ص / 74 . ( 2 ) بديع القرآن لابن أبي الإصبع المصري ، ص / 166 ، والفوائد لابن قيم الجوزية ، ص / 219 .